
رحم الله الشيخ محمد الحسن ولد أحمدُّ الخديم، فقد رحل رجلٌ ترك وراءه أكثر من سيرة، وأبقى أكثر من أثر؛ ترك منهجا خاصا تشكّل من معين العلم والتربية، ومن تجربةٍ عميقة في فهم المجتمع والإنسان، متأثرا في ذلك بشيخه العلامة محمد سالم ولد ألما، الذي كان له في تكوينه العلمي والروحي أثر بالغ.
ولعل أجمل ما في الرجال الكبار أن أثرهم لا يُقرأ فقط في كتبهم ومجالسهم، وإنما يُلمس في تفاصيل الحياة، وفي الطريقة التي يعاملون بها الناس، وفي المواقف التي تبقى شاهدة عليهم بعد الرحيل.
ومن أجمل ما أستحضره اليوم من ذكريات الشيخ، قصة أخي الأكبر المرحوم محمد سالم ولد الزيغم، الذي حطّ الرحال في قرية التيسير، قادما إليها من أجل تدريس أبنائه وتعليمهم.
وما إن وصل حتى بادره الشيخ باللقاء، وبعد السلام والترحيب قال له، بمعنى بالغ الدلالة:
«جئتك مُسلّمآٓومرحباً بك، لكنني أعطيك أيضاً الخيار؛ اختر المكان الذي يناسبك والذي تختاره أنت بنفسك.»
كانت كلمات بسيطة، لكنها تختصر كثيراً من شخصية الرجل؛ كرمٌ بلا منّة، وترحيبٌ بلا تكلّف، وتقديرٌ للضيف ولخياره، قبل أن يكون صاحب المكان صاحب القرار.
ومضت السنوات، فلم تجد عائلة أخي أهل الزيغم في التيسير إلا المودة والألفة والمحبة من الشيخ ومن تلاميذه، حتى غادروا المكان، وقد تركت تلك السنوات في نفوسهم أثراً لا يمحوه الرحيل.
ولم يعد أبناء أخي ينظرون إلى الشيخ باعتباره معلما أو شيخا مرّ في حياتهم، بل صاروا يعدّونه، بما يحملونه له من حب وتقدير، أباً من آبائهم؛ فقد كانت العلاقة التي نسجتها الأيام أعمق من علاقة التلميذ بشيخه، وأقرب إلى علاقة الأسرة بمن احتضنها بالكرم والمحبة.
ولا أدل على ذلك أن الدكتور محمد الحسن ولد الزيغم سمي الشيخ .
وهكذا، حين نقرأ اليوم عن الشيخ محمد الحسن ولد أحمدُّ الخديم، وعن مدرسته ومنهجه ومشروعه في التيسير، نستحضر إلى جانب العالم والمربي وصاحب المشروع، ذلك الإنسان الذي عرفناه من خلال هذه التجربة: رجلاً يفتح بابه وقلبه، ويمنح من حوله شعوراً بالأمان والانتماء.
لقد كان، بحق، واحداً من أولئك الذين اختاروا العزلة عن ضوضاء المدن لا هروبا من المجتمع، وإنما بحثا عن الطريق الأجدى لإصلاحه؛ فجعل من التيسير فضاء للعلم والتربية والتكوين، ومجالاً تتجاور فيه المحظرة والحاضرة والزاوية، ويكبر فيه الإنسان بالعلم والأخلاق.
واليوم، ونحن نودع هذا النبراس، لا نملك إلا أن نقول: إن الرجال يرحلون، لكن آثارهم تبقى في الأرض وفي القلوب.
وما أجمل أن يكون من آثار الرجل قلوبٌ أحبته، وأسرٌ تحفظ له الجميل، وتلاميذ يحملون من علمه، وأبناءٌ لم يكونوا أبناءه بالدم، لكنهم أصبحوا أبناءه بالمحبة والتربية والأثر.
رحم الله الشيخ محمد الحسن ولد أحمدُّ الخديم، ورحم الله أخي محمد سالم ولد الزيغم الذي جمعته به تلك السنوات الجميلة في التيسير.
وجعل الله الجنة مثواهما، وجزاهما عن العلم والتربية والمحبة خير الجزاء.
بقلم /عبد الله محمد البخاري ولد الزيغم




